السيد علي عاشور

34

موسوعة أهل البيت ( ع )

قال أبو الصلت : فلما أصبحنا من الغد لبس ثيابه ، وجلس في محرابه ، فجاء غلام المأمون وقال : أجب أمير المؤمنين ، فلبس نعله ورداءه ، وقام يمشي وأنا أتبعه ، ثم دخل على المأمون وبين يديه أطباق فاكهة ، وبيده عنقود من عنب قد أكل بعضه وبقي بعضه ، فلما رآه مقبلا وثب قائما وعانقه وأجلسه ، ثم ناوله العنقود ، وقال : يا ابن رسول الله هل رأيت أحسن من هذا العنب ؟ فقال : « قد يكون في بعض الجنان أحسن منه » ، ثم قال له : كل منه ، فقال له الرضا عليه السّلام : أعفني ، فقال : لا بد من ذلك ، ثم قال : وما يمنعك أتتهمني ؟ ثم تناول العنقود منه وأكل منه ، وناوله الرضا عليه السّلام فأكل منه ثلاث حبّات ، ثم رمى به ، وقال له المأمون : إلى أين ؟ فقال له الرضا عليه السّلام : إلى حيث وجّهتني ، ثم خرج عليه السّلام مغطّى الرأس حتى دخل الدار ثم أمر أن تغلق الأبواب ، ثم نام على فراشه . قال : فكنت واقفا في صحن الدار باكيا حزينا إذ دخل إليّ شاب حسن الوجه أشبه الناس بالرضا فبادرت إليه وقلت : من أين دخلت والباب مغلق ؟ فقال : الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق . فقلت : من أنت ؟ فقال عليه السّلام : « أنا حجّة الله يا أبا الصلت ، أنا محمد بن علي » ، ثم مضى نحو أبيه الرضا عليه السّلام فدخل ، فأمرني بالدخول ، فلما نظر إليه الرضا عليه السّلام نهض إليه ليعتنقه ، ثم سجه سجى إلى فراشه وأكبّ عليه محمد بن علي عليه السّلام فسرّ إليه سرّا لا أفهمه ، ورأيت على شفة الرضا بياضا أشدّ بياضا من الثلج ، ورأيت أبا جعفر عليه السّلام يلحسه بلسانه ثم أدخل يده بين صدره وثوبه فاستخرج منه شيئا شبه العصفور فابتلعه ، ثم مضى الرضا عليه السّلام فقال لي : يا أبا الصلت آتني المغسل والماء من الخزانة . فقلت : ما في الخزانة مغسل ولا ماء ، فقال : ائتمر بما آمرك به . قال : فدخلت الخزانة وإذا فيها مغسل وماء فأتيته بها ، ثم شمرت ثيابي لأعاونه ، فقال : تنح فإنّ لي من يساعدني ، ثم قال لي : « أدخل الخزانة وأخرج السفط الذي فيه كفنه وحنوطه » ، فدخلت وإذا أنا بسفط لم أره من قبل ذلك فأخرجته إليه وصلّى عليه ، ثم قال : ائتني بالتابوت . فقلت : أأمضي إلى النجار ؟ فقال : « إنّ في الخزانة تابوتا » ، فدخلت وإذا تابوت لم أر مثله قط ، فأخرجته إليه فوضعه فيه بعد أن صلّى عليه ، تباعد عنه وصلّى ركعتين ، وإذا بالتابوت قد ارتفع فانشق السقف وغاب التابوت . فقلت : يا ابن رسول الله الساعة يأتي المأمون ويسألنا عن الرضا فماذا نقول ؟ » . فقال : « أسكت يا أبا الصلت ، سيعود ، إنه ما من نبي في شرق الأرض يموت ووصيّه في غربها إلّا جمع الله بين روحيهما » .